يصف مركز التراث العالمي التابع لليونسكو درب زبيدة بأنه أبرز طرق الحج خلال الخلافة العباسية من عام 750 إلى 850 ميلادياً، وهي الفترة التي يُعدّها المؤرخون العصر الذهبي للحضارة الإسلامية. وسجّل جغرافيون مثل ابن خرداذبه والمقدسي كيف جهّز الطريق بعلامات الأميال ومنارات النار وبيوت راحة متباعدة على مسافات يومية مناسبة لقوافل الإبل. أما زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد فقد أشرفت على تحسينات واسعة النطاق بعدما لاحظت معاناة الحجاج خلال رحلتها عام 792 ميلادياً، بحسب ما جمع المؤرخ ابن خلكان.
ونشر عالم الآثار السعودي سعد عبد العزيز الراشد دراسة وثّقت أكثر من 1300 بئر وأكثر من 100 خزان مبني بالحجر على طول الطريق، صُممت كثير منها لجمع مياه الأمطار الموسمية المتدفقة من الأودية. ولم تقتصر هذه البنية التحتية على خدمة الحجاج الدينيين بل دعمت التجار والرسل الرسميين أيضاً، مما ساعد في تعزيز السيطرة الإدارية العباسية عبر الإمبراطورية، كما خلص تقييم تراثي أجراه الباحث ريتشارد وايلدينغ عام 2024. وأدت التوترات السياسية في القرن العاشر بين العراق والحجاز إلى تراجع الطريق تدريجياً، وسُجلت آخر قافلة منظمة عام 1243 ميلادياً في عهد الخليفة المستعصم.
وأجرت هيئة التراث السعودية مسوحات أثرية كشفت عن بقايا قصور ومساجد وسدود في محطات مثل زبالة وفيد والربذة، مما يؤكد الوصف الوارد في النصوص الوسطى. واكتشفت الحفريات علامات حجرية دائرية موضوعة كل كيلومترين لتوجيه المسافرين، متسقة مع نظام البريد المستخدم في قياس المسافات ونقل الرسائل. كما تتبعت أعمال الهيئة المسارات الفرعية المتشعبة من درب زبيدة الرئيسي باتجاه المدينة المنورة والبصرة.
وقال ابن بطوطة إن كل خزان أو بركة أو بئر على الطريق من مكة إلى بغداد يعود إلى كرم زبيدة، ولولا اهتمامها لما كان الطريق صالحاً للاستخدام من أحد. وقد خصصت الأميرة العباسية أكثر من مليوني دينار لمشاريع المياه في مكة، منها قناة من نبع حنين تصل إلى عرفات، بحسب مصادر كلاسيكية متعددة. وامتدت رعايتها إلى رصف أجزاء من الطريق وإزالة العوائق، محولة مسلك تجارة ما قبل الإسلام إلى ممر حج منظم.
وأعلنت مبادرات حفظ حديثة في مطلع 2026 استهداف مواقع مثل برك العريش ومحطة زبالة، حيث تواصل الفرق رسم خرائط لأنظمة المياه العباسية. ونسقت هيئة التراث السعودية مع شركاء إقليميين لتوثيق الجزأين العراقي والسعودي من الطريق البالغ طوله 1277 كيلومتراً، ضمن ترشيح أوسع لليونسكو يتعلق بطرق الحج. وتبني هذه الجهود على أعمال ميدانية سابقة حددت 27 محطة رئيسية ومثلها من المحطات الفرعية التي شُيدت أصلاً في عهد خلفاء من أمثال المهدي والمقتدر.
وركز تخطيط الطريق على الاستقامة حيث سمحت التضاريس بذلك، مع قصور في الواحات الكبرى تخدم أغراضاً عملية ورمزية في إبراز سلطة الخلافة، بحسب التحليل الوارد في ملف القائمة المؤقتة لليونسكو. وقدم الجغرافي اليعقوبي والرحالة ابن جبير بعضاً من أقدم الوصفات التفصيلية التي أكدتها المسوحات الحديثة إلى حد كبير. ويواصل البحث المستمر الكشف عن قطع أثرية توضح الواقع اليومي للحجاج والتجار في العصور الوسطى الذين اعتمدوا على درب زبيدة.
EN