أعلنت هيئة التراث عن اختتام الموسم الرابع للحفريات الأثرية في موقع «المعملة» بمنطقة الباحة، بعد الكشف عن مسجد قديم يُعتقد أنه يعود إلى القرن الأول الهجري. وبُني هذا المسجد باستخدام أحجار جرانيت مشذبة على الحافة الغربية للمنطقة السكنية، ويحتوي على محراب وعدة مداخل ومئذنة في مخطط يجمع بين الدقة والبساطة في التصميم. ويمتد المسجد 16 متراً من الشمال إلى الجنوب و10 أمتار من الشرق إلى الغرب، وتحيط به غرف حجرية ملحقة تستخدم لأغراض اجتماعية وتجارية تحتوي على مخازن وأحواض ودعائم معمارية تتوافق مع أساليب البناء المحلية.
وتضيف هذه الاكتشافات الأخيرة إلى الأدلة التي جمعت في المواسم السابقة، والتي أظهرت -بحسب الهيئة- تطوراً حضرياً متقدماً قبل أكثر من ألف عام. وقد كشفت الأعمال السابقة عن جدران جرانيتية معززة في بعض المواضع بالطوب اللبن ومكسوة بطبقة من الجص الجبسي، يتراوح ارتفاع بعضها بين 50 و120 سم. وأشارت الهيئة إلى أن الاكتشافات المرافقة شملت مئات الشظايا الفخارية المزينة بأنماط هندسية، إلى جانب أدوات حجرية وزجاج ملون وأدوات معدنية تدل على نشاط تجاري وصناعي مستمر.
ويتمتع موقع «المعملة» بموقع استراتيجي يبعد 13 كيلومتراً شرق محافظة العقيق، ونحو 45 كيلومتراً عن مركز إمارة الباحة قرب طريق «درب الفيل» التاريخي الذي ربط جنوب الجزيرة العربية بأسواق الشمال قبل الإسلام. وأفادت وكالة الأنباء السعودية بأن الدراسات المخبرية لعينات عضوية من الحفريات السابقة أكدت أن عمليات التعدين في الموقع بدأت في الفترات التي سبقت الإسلام وبلغت ذروتها من أواخر القرن السادس حتى القرن التاسع. وقد أدى هذا الدور الاقتصادي إلى تطور متتالٍ للمستوطنات بدءاً من المناجم المكشوفة وصولاً إلى مراكز الصهر الإقليمية، وفق تقييمات الهيئة.
وفي سياق متصل سجلت هيئة التراث 184 موقعاً ثقافياً وأثرياً إضافياً في الباحة خلال أكتوبر 2025، ليصل الإجمالي الإقليمي إلى 313 موقعاً ضمن برنامج وطني يهدف إلى رقمنة وحماية الموارد التراثية. وقال مدير فرع الهيئة في الباحة عبدالرحمن الغامدي إن مثل هذه التسجيلات تمكن من وضع خطط الحفاظ عليها وتعزز السياحة المستدامة مع صون العمارة التقليدية المشيدة من الحجر المحلي والخشب وغيرها من المواد. وتشكل هذه الخطوات جزءاً من جهود أوسع لتوثيق تاريخ المملكة المتعدد الطبقات ومساهمتها في شبكات التجارة الإقليمية.
وتشمل الآثار المستعادة خلال الموسم الرابع شظايا من أواني الحجر الصابوني والفخار إلى جانب أدوات الطحن والمدقات وقطع الرحى التي تُظهر جوانب من الحياة اليومية والمهارة الحرفية. وأوضحت الهيئة أن المواسم المجتمعة في «المعملة» تواصل تعميق الفهم حول كيفية دعم ثروة التعدين للبنى الدينية والمجتمعية في المنطقة. ويتوقع أن يسفر تحليل المواد الجديدة عن تفاصيل إضافية حول فترات الاستيطان المتعاقبة في الموقع عبر العصور التاريخية.
EN