سوق قانوني بقيمة 5.9 مليار دولار ودخول مكاتب محاماة دولية إلى الرياض ودفع سيادي نحو الذكاء الاصطناعي العربي يخلقون طلباً جديداً على التقنية القانونية في المملكة العربية السعودية. ويمثل توسع «عقود» داخل المملكة إشارة إلى الاتجاه الذي قد يسلكه هذا السوق.
يشهد سوق المحاماة في المملكة العربية السعودية نمواً متزامناً في الحجم والطابع الدولي والمتطلبات التكنولوجية. تفتح الشركات الأجنبية مكاتب لها في الرياض، ويلعب القانون السعودي دوراً أكبر في المعاملات عابرة الحدود، ويتعمق الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر في البنى التحتية القضائية والتكنولوجية للمملكة.
وتعد «عقود إيه آي» إحدى الشركات الإقليمية الداخلة إلى هذا السوق. وقد وسعت المنصة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي القانوني العربي نشاطها داخل المملكة العربية السعودية بحسب الشركة، لتتيح تقنيتها لمكاتب المحاماة السعودية وفرق الشؤون القانونية في الشركات. وقاد صندوق «سنابل» التابع لصندوق الاستثمارات العامة جولة التمويل البذري لها.
وتكمن أهمية هذه الخطوة ليس في الداخل الجديد بحد ذاته بقدر ما هي في السوق الذي يدخله. تقدم المملكة العربية السعودية لمطوري الذكاء الاصطناعي القانوني مزيجاً غير مألوف يجمع بين الحجم والعمل القانوني الدولي المعقد بشكل متزايد والنظام القضائي الرقمي إلى حد كبير ومجموعة من القوانين المعتمدة التي تبقى عربية في جوهرها.
سوق قانوني أكبر وأكثر دولية
تبدأ النقطة الأساسية من الحجم. تقدر «كين ريسيرش» سوق الخدمات القانونية في السعودية بحوالي 5.9 مليار دولار، مشيرة إلى الإصلاحات التنظيمية والاستثمار الأجنبي والتوسع عبر قطاعات تشمل العقارات والبنية التحتية والأسواق المالية والخدمات المالية. ويخلق هذا الحجم سوقاً قابلاً للاستهداف أكبر بكثير مما تستطيع معظم الدول الخليجية تقديمه لمزود تقنية قانونية.
لكن التحول الأهم يكمن في نوع العمل الذي يجري. فقد فتحت المملكة سوقها القانوني بشكل أكثر مباشرة أمام الشركات الدولية، مما يسمح لمكاتب المحاماة الأجنبية بالعمل بشكل مستقل بموجب إطار الترخيص في المملكة بدلاً من الاقتصار على الممارسات السعودية التابعة. وذكرت رويترز أن إصلاحات 2023 مكنت الشركات الأجنبية من الممارسة المستقلة. وتعمل شركات عالمية مثل كوين إيمانويل ومورغان لويس وكيركلاند وإليس ولاثام وواتكينز وكليفورد تشانس وهيربرت سميث فريهيلز الآن في السوق السعودي ضمن بيئة ترخيص دولية بشكل متزايد. وحسب تقرير الرابطة الدولية للمحامين أواخر 2024 حصل نحو 15 مكتباً على الموافقة مع 15 طلباً آخر معلقاً.
يزيد هؤلاء الوافدون من الطلب على تقنية قانونية قادرة على التعامل مع المعاملات عابرة الحدود والصياغة والمراجعة ثنائية اللغة والبحث التنظيمي والعمل الذي ينتقل بين الوثائق التجارية بالإنجليزية والمصادر القانونية العربية. وقد نقلت بلومبرغ لو عن ممارسين في الرياض أن الشركات لم تعد تستطيع التعامل مع القانون السعودي كبند حاكم يُضاف إلى وثائق مصاغة في مكان آخر، إذ يتعين على القانون السعودي أن يشكل المعاملة ذاتها بشكل متزايد.
الذكاء الاصطناعي داخل البنية التحتية القانونية السعودية بالفعل
لا تأتي التكنولوجيا في فراغ. تدير وزارة العدل منصة «ناجز» للعدالة الإلكترونية التي تقدم أكثر من 160 خدمة قضائية، وقد تم إنجاز أكثر من 43 مليون خدمة عبرها في النصف الأول من 2024 فقط.
وتذهب المحكمة التنفيذية الافتراضية أبعد من ذلك. أفادت الوزارة بأن هذه المحكمة أطلقت نحو 400 ألف طلب تنفيذ خلال 2024. ووفقاً لوكالة الأنباء السعودية تستخدم المحكمة الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتوقع المشكلات وتطبيق التصنيف الآلي لطلبات التنفيذ والتحقق الإلكتروني من السندات، وكل ذلك تحت إشراف قضائي. لذا تعمل المعالجة القانونية الآلية بالفعل داخل النظام القضائي السعودي على نطاق واسع تحت الإشراف القضائي.
العربية هي حيث يصعب الأمر على الذكاء الاصطناعي القانوني
وهذا يثير السؤال الطبيعي: لماذا لا تستخدم الشركات السعودية الأدوات العالمية للذكاء الاصطناعي نفسها التي تستخدمها في أماكن أخرى؟
قد يبدو التركيز السعودي على العربية سياسة ثقافية في ظاهر الأمر. أما في مجال الذكاء الاصطناعي القانوني فهو أقرب إلى قيد هندسي. المصادر القانونية المعتمدة في المملكة عربية، والإجابة لا تكون نافعة إلا بقدر قدرتها على الإشارة إلى المادة الدقيقة التي تدعمها. قد يولد النموذج عربية فصيحة بينما يطبق استدلالاً لا يتوافق مع القانون السعودي، أو يترجم مصطلحاً إلى أقرب معادل إنجليزي فيفقد معناه المحلي، أو يستشهد بمرجع غير موجود.
الخطر قابل للقياس. أظهر معيار «حق» لعام 2026 الذي شمل 3000 إجابة عبر 300 مهمة قانونية تجارية وعابرة للحدود أن 24% منها استشهدت أو طبقت قانوناً لا يدعم الاقتراح المقدم. وتزيد العقود ثنائية اللغة التعقيد: النظام الذي لا يستطيع تحديد النسخة الحاكمة لا يوفر وقت المحامي بل يعرضه للمخاطر.
هذه هي المشكلة التي بنيت حولها المنصات الإقليمية الأولى بالعربية. صُممت منصة «عقود» للغة العربية والأنظمة القانونية المقننة في الخليج، وتعامل العربية كلغة قانونية أولى وليست طبقة مترجمة فوق نواة إنجليزية. النظام المبني لقراءة النص القانوني العربي كنص فعال يحل مشكلة مختلفة عن النظام الذي يصل إلى الإجابة عبر الترجمة. تحمل الشركة شهادة آيزو 27001 وشهادة سوك 2، وتقول إن هندستها قابلة للتهيئة وفق متطلبات الأمان وحوكمة البيانات المؤسسية.
المملكة تبني مجموعة الذكاء الاصطناعي العربية الأوسع
ما يميز المملكة أنها تستثمر أيضاً في البنية التحتية التي تتطلبها هذه المشكلة.
خصصت المملكة العربية السعودية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي بقرار من مجلس الوزراء وافق عليه في 10 مارس. وضع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رئيس مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، البيانات والذكاء الاصطناعي في قلب أجندة التحول. وأطلق صندوق الاستثمارات العامة في 2025 شركة «هيومين» المكلفة بتطوير مجموعة الذكاء الاصطناعي الكاملة. واحتلت المملكة المركز الـ14 في مؤشر الذكاء الاصطناعي العالمي 2025، بينما حصلت شركات الذكاء الاصطناعي فيها على تمويلات بلغت 9.1 مليار دولار.
يتجه هذا الدفع نحو الخصوصية العربية بشكل متزايد. بُني برنامج «علام» التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي حول مجموعة تتجاوز 500 مليار رمز عربي، مما يوضح مدى تكيف استراتيجية الذكاء الاصطناعي في المملكة مع الاستخدام باللغة العربية.
تعزز السياسات ذلك. وافقت المملكة في فبراير 2026 على السياسة الوطنية للغة العربية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 588، لتنشئ إطاراً وطنياً يعزز العربية في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية. تقوم هذه السياسة فوق المتطلبات السعودية الراسخة بشأن استخدام العربية في المراسلات الحكومية وبعض العقود التي تشمل جهات حكومية وشركات أجنبية.
ما سيتعين على الذكاء الاصطناعي القانوني السعودي إثباته
من غير المرجح أن تحسم القدرة على التعامل بالعربية وحدها معركة التبني لأنظمة الذكاء الاصطناعي القانوني. يتعين على مكاتب المحاماة وفرق الشؤون القانونية في الشركات تقييم إمكانية تتبع المصادر والأمان والسرية وضوابط النشر ومدى دقة تعامل النظام مع المواد القانونية السعودية.
يظل خطر التنفيذ قائماً لكل مزود. المجال تنافسي، ويستهدف مزودو تقنية دوليون وإقليميون السوق القانوني ذاته.
يتحول السؤال تدريجياً من ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل الممارسة القانونية السعودية إلى أي الأنظمة سيثق بها المحامون في الأعمال الحقيقية: أنظمة تعمل بدقة بالعربية والإنجليزية، وتظهر السلطة التي تستند إليها إجاباتها، وتحمي المواد السرية، وتتعامل مع القانون السعودي دون اختزاله إلى نص مترجم.
EN