نشاط مالي غير مشروع بحجم 4.4 تريليونات دولار في 2025 وفاتورة امتثال تتجاوز 206 مليارات دولار على البنوك سنويا: منصة من الرياض دخلت للتو قائمة الشركات العشر الرائدة عالميا في المجالين الأكثر إلحاحا لدى المصارف.
جرى تقدير حجم المشكلة في مارس/آذار الماضي. فقد خلص تقرير «ناسداك فيرافين» العالمي للجرائم المالية 2026، المعد بالتعاون مع «سيلنت» و«أوليفر وايمان»، إلى أن 4.4 تريليونات دولار من النشاط المالي غير المشروع مرت عبر النظام المالي العالمي في 2025، بزيادة 1.3 تريليون دولار منذ 2023 وبمعدل نمو سنوي مركب بلغ 19.2%، وهي وتيرة تتجاوز نمو الاقتصاد العالمي بفارق واسع. وأضافت عمليات الاحتيال بالخداع والاحتيال المصرفي خسائر بلغت 579.4 مليار دولار، مع نمو خسائر الاحتيال بالخداع بأكثر من ضعف وتيرة الاحتيال المصرفي. الجريمة المالية باتت تتراكم كما تتراكم صناعة نمو، والدفاع ضدها تحول إلى واحدة من أكبر أسواق التقنية في القطاع المالي.
فاتورة الدفاع
جانب الكلفة موثق بالقدر نفسه. إذ تقدر «ليكسيس نيكسيس ريسك سوليوشنز» فاتورة الامتثال لمتطلبات مكافحة الجرائم المالية على المؤسسات المالية عالميا بنحو 206.1 مليارات دولار سنويا، استنادا إلى مسح شمل 1181 مختصا، وتخلص إلى أن مؤسسات أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا تتحمل العبء الأثقل بين مناطق العالم، فيما يستخدم 72% منها التحليلات والذكاء الاصطناعي في إجراءات الامتثال فعلا. وقد رفعت دورة الإنفاذ الخليجية سقف الرهان: فالسعودية أصبحت عام 2019 أول دولة عربية تنال العضوية الكاملة في مجموعة العمل المالي «فاتف»، وخروج الإمارات من القائمة الرمادية للمجموعة في فبراير/شباط 2024 جاء بعد حملة إنفاذ أعادت ضبط التوقعات في المنطقة كلها. الامتثال لم يعد بندا في الكلفة، بل رخصة للعمل.
منصة من الرياض على الخريطة العالمية
إلى هذه السوق دخلت شركة من عنوان غير متوقع. «مُزن»، التي تأسست في الرياض عام 2017 وبنيت في بداياتها على تقنيات فهم اللغة العربية، أطلقت منصتها «فوكال» لمكافحة الجرائم المالية قبيل جولة تمويل بقيمة 10 ملايين دولار في 2022. وفي يناير/كانون الثاني 2026، صنفت «تشارتس ريسيرش» منصة «فوكال» رائدة في تقييمها «ريسك تك كوادرنت 2025» في فئتي مراقبة عمليات غسل الأموال والتحقق من العملاء معا، وهو أعلى تصنيف تمنحه المؤسسة، ولا تحمله في الفئتين مجتمعتين سوى 10 شركات في العالم. وأبرز التقييم ما تقدمه المنصة من وكلاء ذكاء اصطناعي للتحقيق في الجرائم المالية، فيما تفيد الشركة بأن عملاءها حققوا خفضا للإنذارات الخاطئة يصل إلى 85% وتسريعا لإغلاق الحالات بنسبة 70%. وتخدم «مُزن» أكثر من 150 عميلا من البنوك وشركات التقنية المالية والتأمين والجهات التنظيمية.
وقال المؤسس والرئيس التنفيذي محمد الحسين في بيان الشركة حينها إن التصنيف «يعكس عمق الابتكار الذي استثمرناه في بناء تقنيات تعالج تحديات حقيقية لدى المؤسسات المالية العاملة تحت ضغوط تنظيمية وتشغيلية متصاعدة»، فيما أشار المحلل في «تشارتس» أحمد كتاف إلى أن أساس المنتج يدعم «استمرار توسع الشركة في الأسواق العالمية». وهذا التوسع بات ممولا؛ ففي أغسطس/آب أعلنت «هيوماين» التابعة لصندوق الاستثمارات العامة استثمارا استراتيجيا في «مُزن»، هو الأول لها في أي شركة سعودية، مخصصا صراحة لتوسيع المنصة دوليا.
ما يملكه الكبار
الإنصاف يقتضي وضع حجم المنافسين في الميزان. فمنصة «ناسداك فيرافين» وحدها تضم أكثر من 2750 مؤسسة مالية تمثل 11 تريليون دولار من الأصول المجمعة، والشركات الغربية التي احتكرت هذه الفئة تاريخيا تحمل عقودا من الثقة المرسخة والنماذج المجربة والألفة مع الجهات الرقابية. ومشتريات أنظمة الامتثال محافظة بطبيعتها؛ فاستبدال نظام مراقبة حدث تنظيمي بحد ذاته، والبنوك تعاقب على ترحيل فاشل أشد بكثير مما تكافأ على ترحيل ناجح. تصنيف يضم 10 شركات يفتح الأبواب، لكنه لا يحرك نظاما أساسيا وحده.
لماذا النافذة مفتوحة
ما يميل بالكفة أن منحنى الطلب ومنحنى التهديد يتصاعدان معا. فمركز كامبريدج للتمويل البديل يجد أن 81% من مؤسسات الخدمات المالية تتبنى الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، وتقدر «ماكنزي» أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على توليد قيمة سنوية للقطاع المصرفي بين 200 و340 مليار دولار، فيما تواصل المدفوعات الرقمية نموها بنحو 15% سنويا موسعة سطح الهجوم. وفي المقابل، يصف باحثو «فيرافين» شبكات إجرامية تستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة الاحتيال بوتيرة تفوق قدرة الدفاعات التقليدية على التكيف. وفي هذا السباق، تملك منصة تجمع عمق اللغة العربية وأنماط الاحتيال الإقليمية في بياناتها وحجة البنية السيادية أفضليات هيكلية لا عاطفية. والفصول الأربعة المقبلة، مع تمويل التوسع الدولي واقتراب أولى عمليات النشر المشتركة، ستبين ما إذا كان الاعتراف يتحول إلى حصة سوقية. وأرقام الجريمة تشي بأن السوق لن تنتظر أحدا في الحالتين.
EN