لم يعد السيناريو الهابط لعقارات التجزئة السعودية رأياً مخالفاً. يتوسع إجمالي معروض التجزئة في الرياض بنحو 20% ليصل إلى نحو 5.2 ملايين متر مربع بحلول 2026، بحسب «نايت فرانك»، ضمن موجة بناء يرى «إس آند بي جلوبال» أنها قد تدفع الملاك إلى تقديم تخفيضات إيجارية وعقود مشاركة في الإيرادات وتنازلات أخرى للحفاظ على معدلات الإشغال. وتخلص الوكالة ذاتها إلى أن تجار التجزئة يولون الأولوية حالياً لحركة الزوار ومزيج المستأجرين على حساب الحجم الضخم. وبعبارة بسيطة: تستعد الرياض لامتلاك مراكز تسوق أكثر من المستأجرين، وسيدفع الجزء التجاري الأقل تميزاً في السوق الثمن.
الاستثناء في شمال الرياض
وما يجعل نقطة بيانات واحدة في شمال الرياض غريبة فعلاً هو أن «الأفنيوز الرياض» البالغة مساحته 1.8 مليون متر مربع والقائمة عند تقاطع طريق الملك سلمان وطريق الملك فهد، قد تجاوزت نسبة التأجير 70% على نحو 400 ألف متر مربع من المساحة القابلة للتأجير قبل افتتاح أبوابها. وبلغت نسبة الإنجاز في الأعمال الإنشائية 65%، وفقاً للمدير التشغيلي وليد الفهد، على أن يفتتح المول بين أواخر 2026 وأوائل 2027، فيما تتبعه الأبراج الخمسة بعد نحو عام. وفي سوق يستعد لتقديم تنازلات، يتسابق المستأجرون للالتزام بأكبر أصل تجزئة فردي فيه دون أن يروه.
ليس المطور سعودياً، بل هو «مباني» الكويتية التي تعمل عبر شركتها الفرعية السعودية، ويتناسب حجم التزامها مع الفرضية. تبلغ التكلفة المعلنة للمشروع 17.2 مليار ريال سعودي، ممولة جزئياً عبر تسهيلات ديون إجمالية بقيمة 11.44 مليار ريال، أي نحو 3 مليارات دولار، وهي ممتدة لأكثر من 14 عاماً بعد زيادتها بـ1.6 مليار دولار في نوفمبر. أما الأبراج الخمسة التي تم التعاقد عليها بقيمة 1.13 مليار ريال للمرحلة الثانية، فسوف تضم مكاتب ووحدات سكنية وثلاثة فنادق هي «والدورف أستوريا» و«كونراد» و«كانوبي باي هيلتون»، فوق مول يتكون من تسعة أحياء و19 صالة سينما ومواقف لنحو 15 ألف مركبة، بأسلوب معماري سلماني يعبر عن الرياض الحديثة. وهذا التفصيل الأخير استراتيجية وليس زخرفة؛ فمباني لا تصدر نموذجاً كويتياً إلى السعودية، بل تبني معلماً سعودياً برأس مال كويتي ونهج كويتي.
مالكان ورهان واحد وسجلات مختلفة
أفضل طريقة لاختبار هذه الفرضية هي مقارنتها باللاعب الرئيسي. تمتلك «سينومي سنترز»، أكبر مالك لمراكز التسوق في السعودية بنحو 20 أصلاً و1.3 مليون متر مربع من المساحات القابلة للتأجير، خطة وجهات خاصة بها: افتتح «ويستفيلد جدة» في مايو، ومن المقرر افتتاح «ويستفيلد الرياض» البالغ 220 ألف متر مربع وبنسبة تأجير مسبق 90% في سبتمبر، أي قبل «الأفنيوز» بأشهر قليلة. إنه خط أنابيب مقنع. لكن تكلفة بنائه ظاهرة في الحسابات وسعر السهم. ارتفع صافي الدين إلى 12.7 مليار ريال بنهاية 2025 من 11.5 مليار ريال قبل عام، وانخفض الربح في الربع الأول 9% إلى 203 ملايين ريال بعد قفز تكاليف التمويل 33%، فيما فقد السهم نحو 8% هذا العام ليتداول قرب 17 ريالاً.
لوحة النتائج التي يدفع السوق ثمنها
أما أسهم الداخل الكويتي فتحكي قصة معاكسة. يتداول سهم مباني في بورصة الكويت بسوق يبلغ نحو 1.6 مليار دينار كويتي، أي حوالي 5.2 مليارات دولار، بعد تعافٍ قوي من أدنى مستوى له في 52 أسبوعاً عند 775 فلساً، ويحظى بتوصيات شراء بالإجماع، حيث يبلغ متوسط هدف المحللين لـ12 شهراً 1132 فلساً فوق المستويات الحالية. ويفسر الملف التوزيعي الصبر: عائد أقل من 2%، لكن سجل طويل من التوزيعات النقدية مدعوم بأسهم مكافأة شبه سنوية، مع نسبة توزيع متواضعة اختيرت عمداً لإعادة توظيف رأس المال في الخط السعودي. وتعطي التوجيهات لهذا الخط جدولاً زمنياً. يكتمل «أفنتورا مول» في الكويت هذا الربع، ويستهدف «سوق صباح» بدء العمليات في الربع الرابع، ويفتتح مول الرياض حول نهاية العام مع اكتمال أبراجه في 2028، ويتبعه «الأفنيوز الخبر» البالغ 7.2 مليارات ريال والمكتمل بنسبة 38% في أوائل 2028. وحتى اختبار الضغط جاء إيجابياً: سجلت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك في الربع الأول ارتفاعاً طفيفاً عن العام الماضي وحافظ صافي الربح على استقراره باستثناء ربح أرضي استثنائي، وسط حرب إقليمية. يضع مالكان الرهان ذاته على الوجهات في المدينة نفسها؛ ويدفع السوق حالياً علاوة للجهة التي تقع تمويلاتها على مستوى المشروع ولأكثر من 14 عاماً، وليس في بيان الدخل للربع الحالي.
الطلب يتزايد باتجاه الأبواب
أما جانب الطلب فيتزايد باتجاه موعد الافتتاح لا العكس. بلغ إنفاق المستهلكين السعوديين 1.41 تريليون ريال في 2024، بارتفاع 7% على أساس سنوي، بحسب «نايت فرانك». وسجلت المملكة نحو 122 مليون زيارة سياحية و81 مليار دولار إنفاقاً سياحياً في 2025، فيما يجذب «موسم الرياض» أكثر من 15 مليون زيارة سنوياً، وسيجلب إكسبو 2030 العالم إلى العاصمة بعد أشهر من اكتمال الأبراج.
أكبر من أصل واحد
عند النظر إلى الصورة الكبرى، تتجاوز القصة أصلاً واحداً. في البحرين افتتحت المرحلة الثانية من «الأفنيوز» برعاية ولي العهد ورئيس الوزراء، مضيفة 40 ألف متر مربع، بينما شكل «الأفنيوز» الأصلي في الكويت مرجعاً للتجزئة الوطنية منذ 2007 كأصل مرجعي جعل النموذج قابلاً للتمويل والتصدير. وإذا ثبتت تحذيرات فائض المعروض، فإن الاضطراب القادم سيفصل بين الوجهات والمتر المربع عبر الرياض. التأجير المسبق ومدة التمويل وتوافق المحللين كلها تشير إلى الاستنتاج ذاته: لقد قرر السوق بالفعل أي جانب من هذا الخط يحمل توقيعاً كويتياً.
EN