كشفت دراسة نشرت في مجلة PLOS One أن الفخار المنتج في واحة القريّة شمال غرب السعودية عمل كعلامة تجارية مبكرة قبل أكثر من 3600 عام. وقاد الفريق البحثي الدولي عالمة الآثار بجامعة فيينا مارتا لوتشياني تحليل الأوعية التي عرفت سابقاً بالفخار الميدياني، وتتبع أصلها إلى الواحة بشكل قاطع عبر فحوصات علمية دقيقة. وتنقض النتائج الافتراضات السابقة حول مراكز إنتاج هذه الأواني، مع إبراز الطريقة التي طورت بها مجتمعات البيئات الصحراوية الفقيرة بالموارد ممارسات تصنيعية وتجارية متطورة امتدت عبر المنطقة.
وبحسب بيان صادر عن أكاديمية العلوم النمساوية، شارك في البحث باحثون من المعهد النمساوي للآثار وجامعة فيينا التقنية ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومتحف هارفارد للشرق الأدنى القديم وجامعة سيدني، بدعم من هيئة التراث السعودية. وفحص الفريق عشرات الأوعية العائدة إلى العصر البرونزي باستخدام التحليل البتروغرافي لمقاطع رقيقة تحت المجهر المستقطب إلى جانب تحديد البصمة الكيميائية للعناصر النزرة عبر تحليل التنشيط النيوتروني. وأوضحت باميلا فرانيولي، رئيسة مختبر السيراميك بالمعهد النمساوي للآثار، أن هذا النهج متعدد المستويات أكد الإنتاج المركزي في القريّة والاستمرارية التكنولوجية على مدى قرون.
ووضع الباحثون معايير محددة لتحديد العلامات التجارية القديمة، وقد استوفاها فخار القريّة المطلي، وتشمل الهوية البصرية والتوافق في المواد والاستمرارية التكنولوجية والإنتاج المركزي وتداول التصدير والتقليد المحلي والنطاق التجاري المتعمد والسمعة الثقافية. وشكلت الزخارف المتكررة المميزة التي تصور الحيوانات والطقوس البشرية مع تقنيات الطلاء ثنائي اللون الثابتة أسلوباً يمكن التعرف عليه، سعى إليه المستهلكون عبر مسافات بعيدة. وأشارت دوراليس كلاينشيك، مرشحة الدكتوراه بجامعة فيينا والمؤلفة المشاركة في الدراسة، إلى أن الأمثلة الأولى ظهرت قبل 3600 عام، وازدهر الإنتاج قبل نحو 3200 عام، ثم استمر لألفية أخرى حتى عصر الحديد.
وصدر فخار القريّة المطلي لمئات الكيلومترات شمالاً إلى مواقع في جنوب بلاد الشام مثل تل الخليفة وملاذ تمناع المكرس للإلهة المصرية حتحور. كما انتشر الفخار جنوباً داخل شمال الجزيرة العربية، الأمر الذي يدل على اندماج مجتمع الواحة في شبكات تبادل أوسع رغم الظروف الجافة التي تحد من توافر الطين والماء والوقود. ولفتت مارتا لوتشياني إلى أن سكان الواحات شاركوا في شبكات أوسع للمعارف التكنولوجية المشتركة مع مناطق مجاورة مثل جنوب بلاد الشام وسوريا، مع ابتكارهم مجموعة سيراميكية خاصة بهم.
وقالت لوتشياني في بيان أكاديمية العلوم النمساوية إن الاكتشاف يكشف أن المجتمعات المحلية في العصر البرونزي لم تكن هامشية. «يلقي اكتشافنا الضوء على أن المجتمعات المحلية في بيئة الواحات الصحراوية الجافة، حيث كانت الموارد الأساسية مثل الطين والماء والوقود نادرة، لم تكن هامشية في العصر البرونزي بل شاركت في شبكات أوسع للمعارف التكنولوجية المشتركة مع المناطق المجاورة مثل جنوب بلاد الشام وسوريا»، أضافت لوتشياني. «لقد كان سكان الواحات مبدعين ومبتكرين بما يكفي ليصنعوا مجموعتهم الخاصة من الأدوات الفخارية: ليعتزوا بها في ديارهم ويصدروها في النهاية إلى الخارج».
وتتجاوز دلالات الدراسة علم الآثار لتشمل فحص العلاقات البشرية طويلة الأمد مع الموارد الطبيعية في المناخات القاسية والآليات الاقتصادية التي تربط المنتجين بالمستهلكين. وساهم يوهانس إتش. ستيربا من جامعة فيينا التقنية بالتحاليل الكيميائية التي أكدت نتائج التحليل البتروغرافي لإثبات تركيب الأوعية الثابت من المواد المحلية. وتقدم نشرة PLOS One مجموعة البيانات الكاملة حول كيف حافظ هذا الفخار المعروف بعلامته التجارية على جاذبيته وسمعته على مدى أكثر من ألف عام من الإنتاج في واحة القريّة.
EN